الرجاء الإختيار
العنوان القائمة

كلمة وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل في مؤتمر المسيحيين المشرقيين

الخط + - Bookmark and Share
24/07/2015
نتحدث اليوم وكلّ يوم منذ تولينا وزارة الخارجية والمغتربين، وما قبل، عن المسيحيين في الشرق،نتحدث عنهم من الشرق والغرب والشمال والجنوب. وذلك لأننا الأصل والوصل والفصل في منطقتنا، كما قلنا في مجلس الأمن الدولي. لماذا؟ لأننا الرسالة في هذا البلد ولأننا الرسل في هذه المنطقة ولأننا نحمل في عمق أعماق ديانتنا مفاهيم وقيم تمثّل كلّ المؤمنين في العالم. فهي قيم إنسانية جامعة قوامها المحبة والتسامح والانفتاح وقبول الآخر وقدرة فهمه وتقبّله والعيش معه. ولذلك نحن عنوان التنوع، وهذه المنطقة وهذا البلد لا يقربان بشيء من التنوع من دوننا ولأنه بغيابنا سيكون هناك أحادية وظلامية تنتقل من هذه المنطقة وتتمدّد إلى العالم، فتحاربنا وتلاحقنا وتحاول قطع نسلنا أينما كنا. لذلك نحن هنا، خلقنا هنا ونبقى هنا، لأنّ منبع رسالتنا هنا. وبرحيلنا لا نهجر المنطقة بل نهجر الرسالة ونجفّف منبع الرسل. قدرنا الصليب وخيارنا طريق الجلجلة، إن استصعاناها لسنا بمسيحيين ولا برسل، ولا يجوز أن نستصعبها طالما نهاية الطريق هي القيامة وطالما لا قيامة للمنطقة وللبنان من دوننا. من هنا نفهم تاريخ عيشنا في جبالنا وحفرنا لصخورها. "أنت الصخرة يا بطرس" هو فعل ثبات وإيمان قام به أجدادنا على صخور جبل لبنان. وكان لبنان هذه الصخرة الواقفة على ضفاف مساحات من رمال لا تنفك تتحرّك لتبلعها أو لتصحّرها بالفكر والإيديولوجيا، إن لم يكن بالجغرافيا والجيولوجيا. إلا أننا حوّلنا بإيماننا هذه الصخور إلى بساتين نأكل من ثمارها مروِّضين طبيعةً حمتنا بقدر ما حميناها. نتحرك ليس لدق ناقوس الخطر، بل حتى لا تصبح مناسباتنا دقاً ونقاّ وبكاءً على أطلال ذاكرة جماعة تكون قد هُجِّرت من أرضها ومهد حضارتها وديانتها. لقد أنكروا علينا القيامة في الماضي عندما زوّروا واقعة الحجر المقلوب على القبر ودفعوا الأموال لحراسه تشويهاً لمجد القيامة. وها هم وأعوانهم اليوم يدفعون الأموال لتشويه فكرنا المشرقي وإسلامنا المعتدل ولدفننا أحياء، فنكون ذميين سياسيين كالأحياء المدفونين. يريدوننا أن ندفن ونبقى ساكتين ونتخلّى عن أبهى قيمنا وهي شهادة الحق، فنكون متفرجين على الباطل، واقفين على مسافة واحدة من الخير والشر كوقوف بعض الساسة والمواطنين على مسافة واحدة من الإصلاح والفساد وعلى مسافة واحدة محايدة بين خيار الناس والاختيار عنهم. نحن نحمل رسالة وجدان ووجود ونشعّ بالطاقة الإيجابية في وكينونتنا، فالمبادئ المسيحية تقوم على دور الفرد والجماعة في شهادة لأعمال مبنية على تعاليم السيد المسيح لتكون على صورته ومثاله؛ هو الذي تغلب على الاضطهاد، وما قبل بالتسوية أمام بيلاطس، فمات وقام وأسس لجماعة لا تستسلم وأحيا كنيسة لا تموت، بل تقف وتقاوم بإيمانها ومحبة رعاياها ورجاء راعيها...وتبقى المحبة أعظم ما فيها. هذا ما حمل المشرقيين على التجذّر في أرض اشتهاها الغزاة منذ ألفي سنة فلم يستسلموا أمام الإمبراطورية الرومانية ولم ينحنوا أمام أي بلاط أو نظام بربري أومملوكي أوعثماني. فهل يستسلمون اليوم أمام داعشية متنوعة بأشكالها؟ الشهادة للحق هي شهادة حملناها في وجه من أشهر السيوف والجوع لإبادة أسلافنا رافضين الاستسلام لوحشيةٍ تحاكي ما نعايشه اليوم من ذبح لناسنا ونهش لتراثنا. هي شهادة حملتنا إلى التنسك للتعبير عن تمسكنا بجذورٍ وأرضٍ. هي شهادة قد تحملنا إلى التضحية الكبرى، شهادةٌ من نوع آخر، لا تخاف ولا تهاب تقديم الجسد ذبيحة حتى تستمر الروح. لن نرضى في ظل ما نعايشه باختزال دورنا والاعتداء على حقوقنا، فإيماننا بقوة القيامة هو الذي يدفعنا إلى أن "نقوِّم القيامة" بسبب ما نراه من استهتار واستخفاف بوجودنا في الشرق وفي لبنان وفي مؤسساته الدستورية وعلى رأسها رئاسة الجمهورية وهو الذي يُبقينا في مشرق تهدد بتمزيقه الإنتماءاتُ المنغلقةُ على بعضها. طريق البقاء أي طريق الخلاص نستنسخها عن المسيحيين الأوائل الذين سقطوا شهداء على درب التحرر من مار إسطفان إلى مار بطرس مرورًا بمار تقلا وسواهم. هي عبرٌ ووقفة عزٍّ لا حدود لها ورثناها من أجداد أجدادنا ونفتخر اليوم بأمجاد أمجادهم، وسوف نتركها أمانة في أعناق أحفاد أحفادنا. وحتى لا يُضطر بعضنا إلى اللجوء إلى ما لا نبتغيه، ندعو إلى يقظة شاملة، مسيحية أولاً ووطنية ثانيًا، تحمينا وتدافع عن مشرقيتنا المنفتحة وتجعلنا لا نتراجع بعد اليوم عن آخر معقل لحريتنا في لبنان وآخر خط من خطوط الحفاظ على ذاتيتنا. هذه المشرقية التي نقاتل من أجلها هي أيضًا حاجة إستراتيجية للدول كافة، فحاضر أوروبا من ماضينا ومستقبلها من حاضرنا وما يهددنا يهددها، فإن استسلمنا ستسقط أرضنا ويسقط الشرق وسيلحق به الغرب سقوطاً، ولن تنفع عندها دموع التماسيح ولا تلاوة أفعال الندامة. لذلك نقاوم بالسياسة وبكلّ ما هو مشروع ولن يغلبنا أحد ولن يُكتَب لنا السقوط، لأنّ السقوط لغير المؤمنين. فنحن في الدين مؤمنون وفي المبادئ، وفي السياسة مؤمنون وفي الوطن، وهو ما يجعلنا نجاهر بأننا مؤتمنون على دورنا ورسالتنا في لبنان، بلد التعددية ومنارة الحريات في شرقٍ أوسط تمزقه كراهية النصرة وإجرام داعش ومن يقف وراءهم ممن لا حول له ولا دين. أما الحول والقوة فهي من الله للمشرقيين الأصيلين، مسلمين ومسيحيين.
آخر تحديث في تاريخ 24/07/2015 - 05:22 ص
جميع الحقوق محفوظة وزارة الخارجية والمغتربين - لبنان ©     إتصل بنا  |  خريطة الموقع